الشنقيطي

23

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

واعلم أن مما التزمنا في هذا الكتاب المبارك أنه إن كان للآية الكريمة مبين من القرآن غير واف بالمقصود من تمام البيان فإنا نتمم البيان من السنة من حيث إنها تفسير للمبين باسم الفاعل ، ومثاله قوله تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ( 103 ) [ النساء : 103 ] ، فقد أشار تعالى إلى أوقاتها في قوله : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [ الإسراء : 78 ] الآية - ، وقوله : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [ هود : 114 ] الآية - ، وقوله : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( 17 ) [ الروم : 17 ] الآية - على ما ذكره جمع من العلماء من أنها في أوقات الصلاة ، وكقوله تعالى : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [ الأنعام : 141 ] على القول بأنها في الزكاة وأنها غير منسوخة ، فإنها تشير لها آيات الزكاة كقوله : وَآتُوا الزَّكاةَ [ البقرة : 43 ] ، وقوله : وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [ البقرة : 267 ] ، وكقوله : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ [ الأنعام : 145 ] الآية - فإن القرآن زيد فيه على هذا الحصر تحريم الخمر ، فنبين ما زاده صلّى اللّه عليه وسلم بالسنة الصحيحة ، فمثل هذه المسائل نبينها بيانا تاما بالسنة تبعا للبيان القرآني . واعلم أن الغالب في الأمثلة التي ذكرنا كلها تعددها في القرآن بكثرة ، ومنها ما يتعدد من غير كثرة . وربما ذكرنا فردا من أفراد البيان لا نظير له كإشارته تعالى إلى أقل أمد الحمل بقوله : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] مع قوله : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [ لقمان : 14 ] ، فلم يبق للحمل من الثلاثين شهرا بعد عامي الفصال إلا ستة أشهر ، فدل ذلك على أنها أمد للحمل يوضع فيه تاما . واعلم أن أقسام البيان في هذا الكتاب المبارك بالنسبة إلى المنطوق والمفهوم أربعة ؛ لأن كلّا من المبين باسم المفعول والمبين باسم الفاعل قد يكون منطوقا ، وقد يكون مفهوما ، فالمجموع أربع من ضرب حالتي المنطوق في حالتي المفهوم : الأولى : بيان منطوق بمنطوق كبيان قوله تعالى : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [ المائدة : 1 ] بقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] الآية . الثانية : بيان مفهوم بمنطوق كبيان مفهوم قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) [ البقرة : 2 ] بمنطوق قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [ فصلت : 44 ] وقوله : وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 82 ) [ الإسراء : 82 ] . الثالثة : بيان منطوق بمفهوم كبيان قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ المائدة : 3 ] الآية . بمفهوم آية الأنعام ، فإن تحريم الدم مطلقا منطوق هنا ، وقوله تعالى في الأنعام : دَماً مَسْفُوحاً [ الأنعام : 145 ] يدل بمفهوم مخالفته على أن غير المسفوح ليس كذلك ، فيبين هذا المفهوم أن المراد بالدم في الآية الأولى غير المسفوح ، ومن أمثلته بيان قوله :